أبو حامد الغزالي

44

محك النظر

مخصوصا بشرط مخصوص ، يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر . والخلل يدخل تارة من الأقاويل التي هي مقدّمات القياس ، إذ تكون خالية عن شروطها ، وأخرى من كيفيّة الترتيب والنظم وإن كانت المقدمة صحيحة يقينيّة ، ومرة منهما جميعا . . » « 1 » فكل ما جاء في الفقرة شبيه بما تصدّر القياس في المعيار والمقاصد . ومن ثم يسير الغزالي على وتيرة توزيع القياس إلى صورة ومادّة ، جاعلا من صحة الاثنين طريقا لتكوين الصحيح من الفاسد . وكان البحث في المحكّ أشدّ اختصارا منه في المعيار . لكنه اختلف بنيويا ، وخصوصا في المصطلح والأبعاد والغرض . إذ نجد أن الغزالي انعتق من المحافظة على التعابير المنطقيّة والمعاني الفلسفيّة ، وأخذ بتطبيع المصطلحات بالمضامين الإسلامية تماما . وأحدث الغزالي في المحكّ موضوعات جديدة ، أبرزها حصر مدارك الأقيسة الفقهيّة وطريقا الإلحاق . وبرزت هذه الجدّة مترافقة مع الميل التامّ نحو معاينة المسائل الدينيّة والخصوصيّات اللغوية ، التي ستظهر جليّة خلال تحليلنا . وسنستنير في المقارنة بين القياس في المحكّ والمعيار ، فنميّز خطّ التحوّل ، كشفا لتوجّه الإمام ، وإبرازا للمصطلحات والمفردات بمعانيها وأغراضها . بدأ الغزالي تصفّحه أنواع الأقيسة ، فذكر النوع الأول منها هو الحمليّ ، الذي احتبسه على ثلاثة أشكال ، سمّي الشكل منه بالنظم . والنظم اصطلاح جديد بزغ في المحك واعتمد . وهو يشير في حقيقته إلى دلالات دينية ولغويّة . ف « النظم ، هي العبارات التي تشتمل عليه المصاحف صيغة ولغة » « 2 » . و « النظم في اللغة جمع اللؤلؤ في السلك ، وفي

--> ( 1 ) الغزالي ، محكّ النظر ، ص 6 - 7 . ( 2 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 166 .